إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
296
الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني )
وَإِنْ قُلْنَا : إِنَّ تَرْكَ الْمُتَشَابِهِ مِنْ بَابِ الْمَنْدُوبِ ، وَإِنَّ مُوَاقَعَتَهُ مِنْ بَابِ الْمَكْرُوهِ ، فَالِاخْتِلَافُ أَيْضًا وَاقِعٌ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ ، فَإِنَّ الْإِثْمَ فِي الْمُحَرَّمَةِ هُوَ الظَّاهِرُ ( 1 ) ، وَأَمَّا الْمَكْرُوهَةِ فَلَا إِثْمَ فِيهَا فِي الْجُمْلَةِ ، مَا لَمْ يَقْتَرِنْ بها ( 2 ) ما يوجبه ( 3 ) ، كَالْإِصْرَارِ عَلَيْهَا ، إِذِ الْإِصْرَارُ عَلَى الصَّغِيرَةِ يُصَيِّرُهَا كَبِيرَةً ، فَكَذَلِكَ الْإِصْرَارُ عَلَى الْمَكْرُوهِ فَقَدْ يُصَيِّرُهُ صَغِيرَةً ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ فِي مُطْلَقِ التَّأْثِيمِ ، وَإِنْ حَصَلَ الْفَرْقُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى ، بِخِلَافِ الْمَكْرُوهِ مَعَ الصَّغِيرَةِ ( 4 ) . وَالشَّأْنُ فِي البدع - وإن كانت مكروهة - الدَّوَامِ ( 5 ) عَلَيْهَا ، وَإِظْهَارِهَا مِنَ الْمُقْتَدَى بِهِمْ فِي مَجَامِعِ النَّاسِ وَفِي الْمَسَاجِدِ ، فَقَلَّمَا تَقَعُ ( 6 ) مِنْهُمْ عَلَى أَصْلِهَا مِنَ الْكَرَاهِيَةِ إِلَّا وَيَقْتَرِنُ بِهَا مَا يُدْخِلُهَا فِي مُطْلَقِ التَّأْثِيمِ ، مِنْ إِصْرَارٍ أَوْ تَعْلِيمٍ ( 7 ) أَوْ إِشَاعَةٍ أَوْ تَعَصُّبٍ لَهَا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . فَلَا يَكَادُ يُوجَدُ فِي الْبِدَعِ - بِحَسَبِ الْوُقُوعِ - مَكْرُوهٌ لَا زَائِدَ فيه على الكراهية . والله أعلم . وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ بِحَسَبِ الْإِصْرَارِ عَلَيْهَا أَوْ عَدَمِهِ ، فَلِأَنَّ الذَّنْبَ قَدْ يَكُونُ صَغِيرًا فَيَعْظُمُ بِالْإِصْرَارِ عَلَيْهِ . كَذَلِكَ الْبِدْعَةُ تَكُونُ صَغِيرَةً فَتَعْظُمُ بِالْإِصْرَارِ ( 8 ) عليها ( 9 ) . فإذا كانت ( 10 ) فلتة فَهِيَ أَهْوَنُ مِنْهَا إِذَا دَاوَمَ عَلَيْهَا . وَيَلْحَقُ بِهَذَا الْمَعْنَى إِذَا ( 11 ) تَهَاوَنَ بِهَا الْمُبْتَدِعُ وَسَهَّلَ أَمْرَهَا ، نَظِيرَ الذَّنْبِ إِذَا تَهَاوَنَ بِهِ ، فَالْمُتَهَاوِنُ أعظم وزراً من غيره . وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا كُفْرًا وَعَدَمَهُ فظاهر أيضاً ؛ لأن ما هو
--> ( 1 ) في ( ت ) : " الظر " . ( 2 ) في ( ر ) : " لها " . ( 3 ) في ( خ ) و ( ت ) و ( ط ) : " يوجبها " . ( 4 ) سوف يتكلم المؤلف عن هذه الأحكام على وجه التفصيل في الباب السادس ( 2 / 36 ) . ( 5 ) في ( خ ) و ( ت ) و ( ط ) : " في الدوام عليها " . ( 6 ) في ( خ ) و ( ط ) : " فقلما تقدم بل تقع . . " . ( 7 ) في ( خ ) و ( ط ) : " وتعليم " . ( 8 ) في ( خ ) : " بالإسرار " . ( 9 ) ساقطة من ( غ ) و ( ر ) . ( 10 ) في ( غ ) : " كان " . ( 11 ) في ( م ) : " لا إذا " . وفي ( غ ) : " ما إذا " .